فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 567
صارت عين مفهوم المصدر، فهنا يقوم التّصوّر على أنّ ذات المقروء من كثرة عجائبه صارت عجبا، فلا شيء من عناصره وأجزائه إلّا هو عجب.
ونظيره مثلا: رأيت عليّا العدل. وصف بالمصدر بدل اسم الفاعل"عادل"حتى كأنّه هو العدل.
ولا يكون القرآن عجبا في مبانيه وفي معانيه إلّا إذا كان معجزا، متفرّدا متميّزا عن كلّ كلام آخر، فلا تستطيع الخلائق أن تأتي بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا بالمساعدة والمعاونة والاشتراك في العمل، فهو إذن كلام منزّل من ربّ العالمين.
وقد عبّر هؤلاء النّفر من الجنّ عمّا أدركوا من عناصر إعجاز القرآن الكثيرة بقولهم: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا.
القضية الثّانية:
دلّت عليها جملة: يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ وصفا لما سمعوا من القرآن المجيد، من تلاوة الرّسول صلى اللّه عليه وسلم.
يَهْدِي: أي: يدلّ ويرشد، يقال لغة: هدى فلانا الطّريق، وهداه له، وهداه إليه، إذا عرّفه به، وبيّنه له.
إِلَى الرُّشْدِ: الرّشد: هو السّلوك الفكريّ أو النّفسيّ، أو العمليّ، الموافق للحقّ والصّواب، أو لما هو الأفضل والأحسن والأكثر نفعا، والأبعد عن الضّرر أو الأذى.
فوصف القرآن بأنّه يهدي إلى الرّشد، وصف يجمع كلّ ما اشتمل عليه القرآن من دعوة إلى الحقّ والخير، وما هو الأفضل. والأحسن، والأنفع، والأبعد عن الضّرر والأذى، حالا، ومستقبلا قريبا، ومستقبلا بعيدا، حتّى يوم الدّين يوم الحساب، وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء، في دار النعيم، أو في دار العذاب الأليم.