فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 573
كانوا يسمعونها من الإنس ومن الجنّ، وفيها كذب على اللّه، فيقبلونها، ظانّين ظنّا توهّميّا أن لن تقول الإنس والجنّ على اللّه كذبا، فلمّا استمعوا القرآن العجب من الرّسول محمّد صلى اللّه عليه وسلم، تبيّن لهم أنّ ما كانوا يسمعونه من الإنس والجنّ من أقوال على اللّه، ومنها أقوال اليهود والنصارى، وأقوال الوثنيّين هي أقوال كاذبة باطلة، إذ كانت مضادّة لما جاء في كتاب اللّه القرآن، فمن اعتقدها وآمن بها كفر بربّه.
وكما دلّت هذه العبارة على أنّهم كانوا قبل استماع القرآن مخدوعين بأقوال كفريّة كاذبة كانوا يسمعونها من الإنس والجنّ، فقد دلّت أيضا على أنّهم قد كفروا بها الآن، وآمنوا بما جاء في القرآن.
وقرأ يعقوب فقط: [أن لن تقوّل] : أي: لن تتقوّل، التّقوّل: هو افتراء القول، واختلاقه.
وبين القراءتين تَقُولَ و [تقوّل] تكامل في أداء المعنى المراد.
فقراءة الجمهور: تَقُولَ دلّت على الأقوال الّتي ينقلها الإنس والجنّ حكاية ورواية عن غيرهم، دون أن يتحقّقوا من صدقها، وليسوا هم المفترين لها، وكان يجب عليهم أن لا ينقلوا أقوالا تتعلّق باللّه دون تحرّي أن تكون حقّا.
وقراءة يعقوب: [تقوّل] بتشديد الواو المفتوحة، دلّت على الأقوال التي يفتريها ويختلقها الإنس والجنّ على اللّه عزّ وجلّ.
قدّموا الإنس في عبارتهم لشعورهم بأنّ الإنس أفضل من الجنّ بأصل تكوينهم.
القضيّة الثامنة:
دلّت عليها مقالتهم: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا (6) :