فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 589
القضيّة الحادية عشرة:
دلّت عليها مقالتهم: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا (9) .
قرئ كما سبق بيانه مع نصّ السورة بفتح همزة: وأنا كنا وبكسرها، وقد سبق توجيه القراءتين في نظيرتيهما في القضيّة الخامسة.
فأبان هؤلاء النفر من الجنّ أنّهم كانوا يصعدون، فيقعدون عند الأماكن الّتي تتلقّى بها ملائكة الأرض، من ملأ ملائكة السّماء، ما يتعلّق بالأحداث الّتي قضى اللّه أن تحدث في الأرض، فيلتقطون منهم ما يستطيعون التقاطه، ويهربون به هابطين إلى الأرض، متحاشين أن تصيبهم الشهب، وهذه الأخبار الّتي كانوا يسترقونها، قد يلقونها إلى أوليائهم من الإنس.
أمّا قعودهم في مواطن من الغلاف الغازيّ المحيط بالأرض، فأمر سهل بالنّسبة إلى الجنّ الطيّارين، إذ هم بأجسامهم الرقيقة الخفيفة أقدر على الانتظار طويلا في أيّ مكان من هذا الغلاف من الطّير الّتي تلبث صافات.
وكان غرضهم من هذا القعود استراق السّمع من الملائكة النازلين بما قضى اللّه، لتبليغه إلى الملإ من ملائكة الأرض.
لكنّهم وجدوا الآن بعد بعثة محمّد صلى اللّه عليه وسلم، فما بعد الآن، أنّ من يحاول أن يستمع فإنّه يجد شهابا رصدا يوجّه له لطرده أو قتله، أو إصابته بضرر بالغ.
الْآنَ: أي: بدءا من زمن بعثة الرسول صلى اللّه عليه وسلم، فما يأتي من أزمان لاحقات.
شِهابًا: سبق بيانه قريبا.