معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 592
فكلّ هؤلاء المتنازلين في الدّرجات، فالدّركات، عن درجات الصالحين، تعمّهم عبارة: وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ أي: دون فريق الصالحين، مراتب ودرجات ودركات.
وعبارتهم: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ تفيد أنّه قد كان في الجنّ جنّ صالحون قبل وصول دعوة الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلم إليهم، إذ كانوا على ملّة مقبولة عند اللّه، غير منسوخة بملّة لاحقة.
أمّا بعد أن وصلت إلى الجنّ دعوة محمّد صلّى اللّه عليه وسلم، فلا يوصف بالصلاح إلّا من كان مؤمنا مسلما تقيّا، متّبعا رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم.
ويقول الّذين لهم اطّلاع على بعض أحوال الجنّ: إنّ فيهم يهودا ونصارى وصابئين، وغير ذلك، فأحوالهم ومذاهبهم، مناظرة لأحوال الإنس ومذاهبهم، واللّه أعلم.
كُنَّا طَرائِقَ قِدَدًا: أي: ذوي مذاهب وعقائد وملل وأهواء مختلفة متقطّعة، لا جامعة تجمع بينها، فنحن فرق شتّى.
طَرائِقَ: جمع"طريقة"وهي في اللّغة تطلق على السّيرة، والمذهب، والحال، والفرقة.
وإطلاق لفظ"طرائق"على الجنّ بمعنى الفرق، لا يحتاج إلى تأويل ولا إلى تقدير.
أمّا إطلاق لفظ"طرائق"على الجنّ بمعنى المذاهب والسّير والأحوال، فهو على تقدير: كنّا ذوي طرائق، بحذف المضاف لفظا وملاحظته ذهنا، أو هو من قبيل المجاز المرسل، من إطلاق الشّيء على صاحبه، نظير قولي: