معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 593
هو الجود إلّا أنّ للجود زلّة. هو البرّ والتقوى بلا صبوات.
أي: هو صاحب الجود والبرّ والتقوى، أو هو عين الجود والبرّ والتقوى لعظم هذه الصفات فيه، فكأنّه هي.
قِدَدًا: جمع"قدّة"وهي القطعة من الشيء، والفرقة من الناس المتميّزة بهوى، أو مذهب.
وأصل مادّة القدّ، يدلّ على القطع المستأصل، وعلى الشّقّ طولا، يقال لغة:"قدّ الجلد، يقدّه، قدّا"أي: قطعه قطعا مستطيلا، فاستخرج منه سيرا.
وكان عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، إذا استعلى في الحرب قدّ، أي: قطع منازله المحارب له طولا، وكان إذا اعترض قطّ، أي: قطع عرضا.
القضيّة الرابعة عشرة:
دلّت عليها عبارتهم: وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (12) :
قرئ كما سبق بيانه مع نصّ السورة بفتح همزة: وأنا ظننا وبكسرها، وقد سبق توجيه القراءتين في نظيرتيهما في القضيّة الخامسة.
فأبان هؤلاء النّفر من الجنّ أنّهم جعلوا يفكّرون في أنّ اللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- لو شاء أن ينزل بالعصاة من عباده عقابه وعذابه، ولو كانوا من أقوى رجال الجنّ، وأقدرهم على المقاومة أو الهرب، فهل يستطيعون مقاومة وسائل عقابه، بالمصارعة، أو باتّخاذ ملاجئ وواقيات تحميهم، أو بالهرب من مواقع تنزّل أسباب عذاب اللّه، وهم خلق من خلقه، وهو الذي منحهم القوى، وجعلهم يقعدون في الأجواء العليا مقاعد للسّمع، لالتقاط أخبار السّماء من ملائكة الملأ الأعلى.