معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 594
وبعد التّفكير المتأنّي غلب على ظنّهم، أنّهم لن يعجزوا اللّه إذا أراد معاقبتهم والانتقام منهم، لا بالمقاومة والمصارعة، ولا باتخاذ الملاجي والواقيات، ولا بالهرب إلى أماكن آمنة.
وكان هذا الظنّ منهم ظنّا راجحا لم يبلغ مبلغ اليقين، إذ هم يحدّثون عمّا كانوا عليه قبل استماع القرآن من الرسول، وقبل الإيمان به وبالرّسول وبكل ما جاء به عن ربّه.
وسبق إلى أذهان بعض المفسّرين أنّ هؤلاء النفر من الجنّ يحدّثون عن حالهم بعد استماع القرآن وبعد الإيمان به، ففسّروا الظّنّ هنا بمعنى العلم واليقين، وقد نظرت متفكّرا في استعمالات مادة الظّنّ هنا بمعنى العلم واليقين، وقد نظرت متفكّرا في استعمالات مادة الظّنّ في القرآن مع الاستقراء التامّ، فثبت لديّ أنّه لم يستعمل الظّنّ في آياته إلّا بما هو دون اليقين، ونزولا حتّى الظّنّ الضعيف المرفوض، الّذي لا يصح الأخذ به بوجه من الوجوه. أمّا الظّنّ المقبول فهو الظّنّ الراجح، ويصحّ العمل به حتّى يأتي ما هو أرجح منه وأقوى دليلا.
وفي إعلان هؤلاء النفر من الجنّ عمّا كانوا عليه قبل أن يؤمنوا، وهم يقومون بدعوة قومهم إلى الإيمان بهذا الدّين الذي جاء به رسول اللّه محمّد صلى اللّه عليه وسلم، استخدام للأسلوب الحكيم في دعوتهم، إذ أعلنون تدرّجهم في الاقتناع، حتى بلغوا إلى اليقين فآمنوا، وهذا الأسلوب من أنجح الأساليب الحكيمة المؤثّرة في المدعوّين، لأنّ طبائع النفوس في التدرّج إلى الإيمان بالحقّ متشابهة.
القضيّة الخامسة عشرة:
دلّت عليها عبارتهم: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ ... (13) :
قرئ كما سبق بيانه مع نصّ السورة بفتح همزة: وأنا لما وبكسرها، وقد سبق توجيه القراءتين في نظيرتيهما في القضية الخامسة.