فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 352
غير تشديد، قالوا: وهو مصدر قام بمعنى اعتدل فلا عوج فيه، كمصدري:
الصّغر والكبر. وأقول: لماذا لا يكون جمع قيمة؟ إذ يقال في اللّغة:
"قيمة"وتجمع على"قيم"أي: إنّ هذا الدّين يشتمل على قيم عظيمة. وفي هذا دليل على أنّ ما له حقيقة ثابتة نافعة فهو ذو قيمة يقوّم بها، والقيم هي أثمان الأشياء الّتي لها حقائق ثابتة نافعة، أما الأشياء الأخرى التي ليس لها حقائق نافعة فإنّها غير ذوات قيم، فلا أثمان لها لدى البحث والتمحيص، وهنا ندرك أن أحكام الدّين وشرائعه ذوات قيم حقيقيّة تكافأ بالسّعادة في الدّنيا وفي جنّات النعيم يوم الدين. فمن قدّم شيئا منها نال من السّعادة على مقدار ما قدّم.
فكلّف اللّه عزّ وجلّ رسوله محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول للنّاس: إنّ هذا الدّين الّذي أدعوكم إليه هو صراط مستقيم هداني اللّه إليه بما أنزل عليّ عن طريق الوحي. وأنّ هذا الدّين مجموعة قيم (- أي: حقائق ثابتة نافعة ثوابها عند اللّه سعادة عاجلة وآجلة لمن آمن بها وعمل بمقتضاها) وهو ملّة إبراهيم عليه السّلام الذي كان حنيفا مائلا عن كلّ اعوجاج كان عليه أهل زمانه، ولا يترك كلّ اعوجاج إلّا من استقام، فلم يكن عليه السّلام من المشركين.
وكلّف اللّه رسوله أن يعلن للنّاس أنّه أوّل المسلمين، أي: أوّل المطبّقين لأحكام الإسلام وشرائعه، باعتباره الإمام الأول والقائد الأعظم لأتباع هذه الرسالة الرّبّانيّة الخاتمة، وكمال هذا التطبيق الإسلاميّ يتحقّق بأن تكون عبادات العبد كلّها من صلاة يصلّيها ومنها الدّعاء، وأنساك ينسكها كأعمال الحجّ، وكذبائح الهدي والأضاحي ونحوها، موجّهة للّه وحده لا شريك له، وكذلك أيضا كلّ ما يشتمل عليه محياه ومماته من عمل إراديّ ظاهر وباطن مادّيّ ومعنويّ، فهو يجريه في قنوات طاعة اللّه والعمل بمراضيه، والابتعاد عن مساخطه، حتّى المباحات يجعلها بالنيّات الصالحات جارية في قنوات عبادة اللّه.