معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 597
الهدى، فلم يتحرّوا الرّشد، قد عرّضوا أنفسهم لعذاب أليم خالد في جهنم، إذ جعلوا أنفسهم باختيارهم الكفر والعصيان، مؤثرين ذلك على الإيمان والإسلام والطّاعة لربّهم، وقودا لجهنّم يوم الدّين مع الحجارة وسائر الكفرة المجرمين من الجنّ والإنس، فهم كالحطب لجهنّم، إلّا أن الحطب يفنى بالحريق فيصير رمادا، أمّا المجرمون الذين يذوقون عذاب الحريق في جهنّم، فكلّما نضجت جلودهم بدّلهم اللّه جلودا غيرها ليذوقوا العذاب.
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ أي: وأنّ قومنا بعد أن دعوناهم إلى الإسلام صاروا فريقين:
الفريق الأول: المسلمون، وهم الّذين أعلنوا إسلامهم، واتّباعهم لأحكام الإسلام وشرائعه، إذ استجابوا لدعوة إخوانهم النّفر من الجنّ الّذين استمعوا القرآن فآمنوا به وبمن أنزل عليه، وأطاعوا ربّهم وأسلموا له.
وبإعلانهم هذا اختاروا لأنفسهم أن يسلكوا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم اللّه عليهم من النبيّين والصّدّيقين، والشهداء والصالحين.
الفريق الثاني: القاسطون، أي: الجائرون الذين عدلوا عن الحقّ، وانحرفوا عن الصراط المستقيم.
والسبب في عدولهم عن الحقّ والصّراط المستقيم، أنّهم لم يسلموا، فجاء الاستغناء ببيان جورهم الكلّيّ عن ذكر عدم إسلامهم.
أمّا المسلمون فإنّهم لا يجورون جورا كلّيّا، ولا يتنكّبون الصراط المستقيم تنكّبا كلّيّا شاملا، وإن عصوا معاصي متفرّقة، فالمعاصي من دون الكفر لا تدمغهم بأنّهم القاسطون الجائرون جورا كلّيّا عاما.
استفدنا معنى جورهم الكلّي العامّ الشامل من أداة التعريف"ال"في كلمة الْقاسِطُونَ: فهي هنا"ال"المستغرقة لكل معاني الجور وعناصره، وهذا إنما يكون بالكفر.