معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 608
قول اللّه عزّ وجلّ:
وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا (17) .
وفي القراءة الأخرى: [نسلكه] بنون المتكلّم العظيم، لإلقاء الرّهبة من عذاب الرّبّ العظيم.
وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ:
الإعراض: منزلة وسطى بين الإقبال والإدبار، وأصل الإعراض إعطاء الجانب، وعرض الشيء في اللّغة جانبه، وعارضا الإنسان صفحتا خدّيه.
ذكر الرّبّ هو الكتاب المنزّل من لدنه، وهو القرآن بعد أوّل مراحل إنزاله على خاتم أنبيائه ورسله، إذ أنزله اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه ذكرا للعالمين، أي: ليتبلّغوه وليتدبّروه، وليضعوه في خزائن ذاكراتهم، ثمّ ليذكروا بياناته وأحكامه وأوامره ونواهيه كلّما دعا أمر أو حدث لتذكّرها، من أجل اتّباعها والعمل بها.
واختصارا لهذه المطالب بشأن القرآن سمّاه اللّه ذكرا للعالمين، فقال اللّه عزّ وجلّ في صورة (ص/ 38 مصحف/ 38 نزول) بشأن القرآن:
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88) .
والإعراض عن القرآن يكون بعدم التوجّه لتلقّيه وتدبّر معانيه، وتفهّم ما اشتمل عليه من حقّ وهداية إلى الصراط المستقيم، وما فيه من وصايا وبيانات وأحكام وشرائع.
ومن أعرض عن القرآن هذا الإعراض، لم يكن له في نفسه ذكر ما، بل يستمرّ طوال حياته مستغرقا في مطالبها، وفي مطالب أهوائه وشهوات نفسه خلالها، ومستغرقا في ضلالاته ومعاصيه، مفتونا بها.
وأشدّ من الإعراض الإدبار والتولّي، وقد اكتفى النصّ بذكر