فهرس الكتاب

الصفحة 3436 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 609

الإعراض، عن ذكر الإدبار والتّولّي، لأنّ ذكر الأخفّ يدلّ على الأشدّ من باب أولى عقلا.

فمن يعرض عن ذكر ربّه طوال حياته، ويأته أجله وهو على إعراضه، وتنزل به منيّته، يسلكه ربّه عذابا صعدا، أي: يدخله كما يدخل السّلك في الثّقب الضّيّق لتعذيبه في جهنّم تعذيبا شديدا، وليذوق بهذا الإدخال عذابا شديدا، جزاء إعراضه عن دعوة ربّه له، وعدم استجابته لنداء الدّعاة إلى دين اللّه، واتّباع كتابه القرآن المجيد.

يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا:

يقال لغة:"سلك الشّيء في الشّيء سلكا فانسلك"أي: أدخله فيه فدخل.

قال ابن الأعرابي من أئمة اللّغة: سلكت الطّريق، وسلكته غيري، فجعل من استعمالات فعل"سلك"أنّه يتعدّى إلى مفعولين، فإذا كان فعل"سلك"يتعدّى بنفسه إلى مفعولين كما ذكر، فكلمة عَذابًا مفعول به ثان.

وإذا كان فعل"سلك"لا يتعدّى إلّا إلى مفعول به واحد، فكلمة عَذابًا منصوبة بنزع الخافض، والأصل:"في عذاب".

أي: في محيط به يذوق منه عذابا دواما.

ويمكن أن تكون العبارة جارية على تضمين فعل يَسْلُكْهُ معنى فعل"يذيقه"والتقدير: يسلكه مذيقا إيّاه عذابا. وهذا التضمين كثير في القرآن، إذ تغني الجملة الواحدة به عن جملتين، ذكر من إحداهما عاملها، وذكر من الأخرى معمولها، وهذا من بدائع الإيجاز في القرآن.

ومعنى العبارة عموما: يدخله مكرها في مكان ضيّق من جهنّم يعذّبه به عذابا شديدا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت