معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 613
قول اللّه عزّ وجلّ:
وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) .
لِبَدًا بكسر اللام لجمهور القرّاء، وفي قراءة لهشام عن ابن عامر:
[لبدا] بضمّ اللّام، وهما لغتان والمعنى فيهما واحد."لبدا"جمع"لبدة"و"لبدا"جمع"لبدة".
اللّبدة واللّبدة: في اللّغة الجماعة من الناس. ويقال لغة: النّاس لبد، أي: مجتمعون. ومال لبد، أي: كثير لا يخاف فناؤه، كأنه التبد بعضه على بعض. ولبدة الأسد: الشعر المتراكب بين كتفيه وسمّيت الجماعة من الناس لبدة، لتلبّدهم كالصّوف الذي يلتبد بعضه على بعض. أو كالشعر المتراكب بعضه على بعض.
وروي عن ابن عبّاس في تفسير: كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا: أي:
مجتمعين بعضهم على بعض. قال: ومعنى"لبد": يركب بعضهم بعضا.
أقول: الجماعات المتألّبة ضدّه، هذا أنسب المعاني الملائمة للسّياق في النصّ، لعبارة: كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا كما سيأتي إن شاء اللّه إيضاحه في التدبّر.
وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ: أي: لمّا قام عبد اللّه محمّد صلى اللّه عليه وسلم بوظيفته الّتي كلّفه اللّه إيّاها، وهي الدّعوة إلى اللّه.
كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا: أي: كاد رافضو دعوته يكونون جماعات مجتمعة بكثافة ضدّه لمقاومة دعوته، ولمنعه من أداء رسالة ربّه.
لقد شرّف اللّه رسوله محمّدا بأنّه عبده، لأنّه قد تحقّق بعبوديّته له تحقّقا هو أقصى ما يستطيعه الكاملون من البشر باختيارهم الحرّ، ضمن مفهومات العبوديّة الاختياريّة.