معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 614
أمّا العبوديّة الجبريّة للّه عزّ وجلّ فهي وصف ملازم للأنس والجنّ والملائكة، ولكلّ حيّ، لأنّهم جميعا خلقه، فهو بمقتضى خلقه لهم هو مالكهم، وبمقتضى سلطانه عليهم دواما، وإمداده لهم بالبقاء دواما، وبمقتضى خضوعهم لمقاديره دواما، فهم عبيده دواما عبوديّة جبريّة، لا يستطيع أحد منهم الخروج عنها طرفة عين ولا أقلّ من ذلك، فالكفّار والفجّار عبيد للّه بالقهر.
وأمّا تحقّق المؤمنين بالعبوديّة الاختياريّة، فهو في الغالب من أحوالهم، وفي معظم أفرادهم، تحقّق ناقص، لوفرة ما يرتكبون من المعاصي والآثام والخطايا.
وقد شرّف اللّه عزّ وجلّ الرّسل والأنبياء في القرآن المجيد بالعبوديّة الاختياريّة الخاصّة، ذات الدرجات القريبات منه جلّ جلاله.
ومنح بفضله جميع المؤمنين المتقين عبوديّة ذات تفضيل ما، بحسب مراتبهم ودرجاتهم في الإيمان والتقوى، والبرّ والإحسان.
والقرائن في النّصوص تدلّ بإشاراتها على مستوى المرتبة والدّرجة في العبوديّة التّشريفيّة الّتي يمنحها اللّه لعبده، أو لطوائف وزمر من عباده.
وممّن منحهم اللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- مرتبة عبوديّة تشريفيّة رفيعة جدّا:
(1) رسول اللّه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، ومن أوضح النصوص الدّالّة على هذه المرتبة العظيمة والدّرجة الرّفيعة فيها، قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الإسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) .