معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 615
(2) رسل اللّه:"إبراهيم وإسحاق ويعقوب"عليهم السّلام، ومن أوضح النصوص الدّالّة على مرتبتهم العظيمة في عبوديتهم للّه عزّ وجلّ ودرجتهم الرّفيعة فيها، قول اللّه عزّ وجلّ بشأنهم في سورة (ص/ 38 مصحف/ 38 نزول) :
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (47) .
ومع ما في ذكر العبوديّة التّشريفيّة للّه عزّ وجلّ وصفا للكاملين من البشر، وتنويها بارتفاع مرتبتهم ودرجتهم فيها، فإنّ فيها تنبيها على أنّ أحدا سوى اللّه مهما ارتقت منزلته قربا من ربّه، حتّى عرج به إلى سدرة المنتهى، فإنّه لا يخرج عن أن يكون عبدا للّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- فلن يكون ابنا للّه، ولا شريكا له في شيء من ربوبيّته، ولا في شيء من إلهيّته، فاللّه عزّ وجلّ غنيّ بذاته، وبصفاته، عن أن يتّخذ صاحبة، أو ولدا، أو شريكا، ومنزّه عن أن يلد أو يولد، وعن أن يكون أحد كفؤا له سبحانه.
إنّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- أحد صمد.
ولهذا قال اللّه عزّ وجلّ بشأن عيسى عليه السّلام وبشأن الملائكة المقربين، في سورة (النساء/ 4 مصحف/ 92 نزول) :
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا* فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا استنكف: أي: أنف وامتنع، يقال لغة: استنكف من الشيء، واستنكف عنه، أي: أنف وامتنع كارها له. واستنكف عن العمل امتنع عن القيام به كارها له، وقد تكون الكراهية ناشئة عن الاستكبار.