معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 616
وليّا: أي: سيّدا يحتمون به.
ولا نصيرا: أي: ولا نصيرا ينصرهم، فيدفع عنهم عذاب اللّه الأليم.
يَدْعُوهُ: أي: يعبد اللّه بتبليغ دينه، والدّعوة إلى سبيل ربّه، والتزامه بأن يكون أوّل المسلمين المجاهدين، الصّادعين بالحقّ، المتوكّلين على اللّه، والملتجئين إليه بالدّعاء.
فالدّعوة إلى اللّه مع الالتزام بشروطها، ومنها أن يكون مطبّقا ما يدعو إليه، أشرف العبادات وأكملها.
سبق أن ظهر لنا بالتّحليل أنّ الدّعاء يشمل كلّ أنواع العبادات، وفي مقدّمتها الدّعوة إلى اللّه.
ولمّا قام الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو ربّه، فيعبده بالدّعوة إلى دينه، بجهاد متواصل، ومتابعة بصبر ودأب، ويبلّغ ما ينزل عليه، لا ينقص منه شيئا، أزعج بجهاده وصبره ودأبه المشركين، وسائر الكافرين، وهاجهم، واستثار غضبهم، ولا سيما حينما أخذ أتباعه الّذين آمنوا به واستجابوا لدعوته يتكاثرون، ويكونون من حوله قوّة مناصرة مؤازرة.
وخاف كبراء قومه الّذين لم يستجيبوا لدعوته، أن يفقدوا في قومهم مكاناتهم الّتي لهم، وأن يسلبهم محمّد سلطانهم وزعاماتهم، وخافوا أن تكون كلمة اللّه الّتي يدعو الناس إليها هي العليا، وأن تكون كلماتهم هي السّفلى في مجتمعهم، عندئذ تداعوا عليه متناصرين جماعات جماعات، حتّى كادوا أن يكونوا ضدّه لبدا، ليواجهوا دعوته بالقوّة الّتي تقمعها، وتفرّق أنصارها، بالاضطهاد والعنف القاسر.
وكان هذا قبيل إنزال سورة (الجنّ) وإبّان إنزالها، وهذا ما دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ فيها: كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا. لم يصيروا بعد عليه لبدا، جماعات متألّبة ضدّه، لمقاومة دعوته، واضطهاد الذين آمنوا به واتّبعوه، لكنّهم كادوا أن يكونوا كذلك.