معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 617
هذه العبارة تصف المرحلة الّتي وصل إليها مشركو مكّة من تاريخ دعوة الرسول محمّد صلى اللّه عليه وسلم، وقد جاءت بعدها مراحل أشدّ منها.
ولدى ملاحظة تشبيه مقاومي دعوة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في أواسط المرحلة المكيّة باللّبد، ومن معاني اللّبد جمع"لبدة"وهي الشعر المتراكب بين كتفي الأسد، نجد إيحاء بأنّ جماعات مقاومي دعوته، ولو وصلوا حتّى صاروا لبدا بالفعل، فإنّهم لن يضرّوه شيئا، لأنّهم سيكونون باجتماعهم عليه مثل لبدة الأسد بالنّسبة إليه، فاللّه عزّ وجلّ حاميه، وناصر دينه وخاذل كلّ من يعاديه ويقاوم دعوته، ويضطهد الّذين آمنوا بهه واتّبعوه، وهذا هو الذي تحقّق فيما بعد.
فالمعنى الذي نستخلصه من قول اللّه تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) كما يلي:
وأنّه لمّا نهض عبد اللّه محمّد بهمّة وحزم وعزم وحكمة وصبر ودأب، متحلّيا بالعبوديّة الاختياريّة الكاملة لربّه، يبلّغ كتاب اللّه الّذي يتنزّل عليه، ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، مطبّقا بذاته أحكام الإسلام وشرائعه، فاستجاب لدعوته من قومه فريق صالحون مؤمنون مجاهدون، وصار أمره مخوفا بالنّسبة إلى كبراء قومه المشركين، إذ صاروا يحذرون من انتشار دعوته أن يفقدوا مكاناتهم ومصالحهم وزعاماتهم.
لمّا حصل ذلك تنادى هؤلاء الكبراء الكافرون لمقاومته، وإسكات دعوته، واضطهاد الذين آمنوا به واتّبعوه، فأخذوا يحاولون تجميع جماعات متكاثفات متلبّدات، بغية الإحاطة بالرّسول حول رقبته، كإحاطة لبدة الأسد حول رقبته.
وبالنظر إلى السّور الّتي نزلت قبل سورة (الجنّ) في نجوم التنزيل، نجد أنّ هذه الآية، تتحدّث عن طور تطوّرت إليه مواقف كبراء مشركي مكّة