فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 356
إلى صراط مستقيم يحقّق لمن سلكه السعادة، وما كنت تدري شيئا عن حقيقة الإيمان وأركانه وأدلّته وآثاره في النفوس وفي السلوك الظاهر والباطن.
وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا: أي: وما أوحينا إليك القرآن لنميّزك وحدك بالهداية والتشريف، ولكن جعلناه نورا عاما للأذهان والأفكار والقلوب والنفوس الّتي تتدبّره وتتفهّمه وتؤمن به، وهذا النور نهدي به من نشاء من عبادنا.
والهداية هنا هداية دلالة وإرشاد ومعونة وتوفيق للعمل، وبما أنّ مشيئة اللّه عزّ وجلّ لا تفارق علمه وحكمته، كان علينا أن نفهم أنّ اللّه يهدي بنور القرآن من استجاب لدعوته وآمن به، وبذل جهده لتدبّر آياته مبتغيا معرفة الحقيقة الّتي يهدي إليها نوره المبين، وحريصا على الإيمان بالحقّ واتّباعه.
ومن هداه اللّه عزّ وجلّ بنور القرآن أدرك الحقّ وآمن به، ثم وفّقه اللّه إلى سلوك الصراط المستقيم، صراط اللّه العزيز الحميد، على مقدار حرصه على ابتغاء مرضاة اللّه في رحلة امتحانه في الحياة الدنيا.
فإذا استمرّ طوال رحلة امتحانه مؤمنا حتّى لقي ربّه، وكان لإيمانه آثار أعمال صالحة، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يحكم له بالهداية، فيكون يوم الدين من المهديّين الذين يقضي اللّه لهم بأنّهم من أهل جنّات النعيم.
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ: أي: وإنّك يا محمّد تهدي هداية دلالة بما أوحينا إليك إلى صراط مستقيم، وهذا الصراط المستقيم الّذي تبيّنه للناس وتدلّهم عليه هو صراط اللّه الّذي له ملك كلّ شيء في السّماوات وكلّ شيء في الأرض، وهذا الصراط هو دينه الذي اصطفاه لعباده.