فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 636
نظرات شاملات إلى مفهوم الغيب:
الغيب: كلمة تطلق على كلّ شيء غاب عن إدراك حواس الخلائق كلّهم أو بعضهم، أمّا اللّه سبحانه فلا شيء في الوجود كلّه هو غيب بالنسبة إليه، بل كلّ ما في الوجود هو من عالم الشهادة بالنسبة إليه.
ويدخل في الغيب ما تدركه العقول دون الحواسّ، فإدراك العقول له لا يخرجه من عالم الغيب إلى عالم الشّهادة، ولهذا كان التّصديق بأركان الإيمان من الإيمان بالغيب، مع أنّها أمور تدرك بالعقول ببراهين قطعيّة.
ولمّا خلق اللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- المخلوقات ذوات الإدراكات الحسّيّة، جعل حوّاسّها قاصرة عن إدراك كلّ ما في الوجود، ولو كان حولها مباشرة، أو داخلا في ذواتها، وجعلها متفاضلة في إدراكاتها الحسّية.
فبعض الخلائق تدرك بحواسّها موجودات لا تدركها خلائق أخرى بحواسّها، من نوعها أو من جنسها، أو من غير نوعها وجنسها، وهذه حقيقة ثابتة علميّا، ومشاهدة في عوالم الأحياء.
فما يدركه المخلوق من الموجودات الحسيّة بحاسّة من حواسّه الظّاهرة، بطريقة مباشرة يعتبر بالنّسبة إليه من عالم الشهادة، وما لا يدركه منها بحاسّة من حواسّه الظّاهرة بطريقة مباشرة، يعتبر بالنّسبة إليه من عالم الغيب.
من أجل هذا نلاحظ أنّ ما هو من عالم الغيب بالنّسبة إلى بعض المخلوقات، هو من عالم الشهادة بالنّسبة إلى مخلوقات أخرى، هذه الحقيقة تنطبق على أصناف المخلوقات، وأنواعها، وأجناسها، وتنطبق أيضا على أفراد الصّنف الواحد أو النّوع الواحد، أو الجنس الواحد، فبعض الأفراد قد يهبه الله مزيدا من قوى الإدراك الحسّيّ، وبه يدرك إدراكا مباشرا