فهرس الكتاب

الصفحة 3465 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 638

من عالم الشهادة إذا رأيناه، ويبقى ما لا ندركه منها ضمن أمور الغيب.

والشيء الواحد قد يكون غيبا بالنسبة إلى من لم يدركه بإحدى حواسّه إدراكا مباشرا، وقد يكون مشهودا بالنسبة إلى من أدركه.

إنّ معظم ما في أجسادنا وما في الجبال وما في باطن الأرض، وما في السّماء، وكلّ ما هو بعيد عن مجال إدراكنا الحسّيّ المباشر، ولو كان من الممكن أن ندركه بحواسّنا، أو بإحداها، هو غيب عنّا حتى ندركه، فإذا أدركناه ببعض حواسّنا إدراكا مباشرا صار بالنّسبة إلينا أمرا مشهودا، ويبقى بالنسبة إلى من لم يدركه إدراكا مباشرا بإحدى حواسّه أمرا من أمور الغيب عنه.

وكانت الجراثيم بالنسبة إلى أبصار النّاس أشياء من عالم الغيب، ولمّا وجدت المجاهر الّتي تكبّر الأشياء آلاف المرّات من أحجامها الحقيقيّة، صارت من الأشياء الّتي يمكن رؤيتها بالأبصار بوساطة المجاهر، فمن رآها بمجهر منها فقد أدرك ببصره مخلوقات حيّة، هي من عالم الغيب بالنسبة إلى أبصار النّاس العاديّة دون استخدام المجاهر.

وقد يكون الشّيء من أمور الغيب عن حواسّنا، لكنّنا ندرك وجوده ووجود بعض صفاته ببراهين عقليّة، والإدراك بالبرهان العقليّ لا ينقل الشيء من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، لكن يجعله معلوما بعد أن كان غير معلوم.

إنّنا ندرك بعقولنا وفق ما تلزمنا به البراهين القواطع، وجود الرّبّ الخالق- جلّ جلاله وعظم سلطانه- وندرك طائفة من صفاته، ونؤمن إيمانا راسخا بما أدركناه، وهذا من الإيمان بالغيب، لأنّ هذا الإدراك قد أكسبنا علما، لكنّه لم يكن إدراكا بالحسّ المباشر، فهو من العلم بالغيب، والإيمان بالغيب، بالنسبة إلى حواسّنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت