فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 640
ويوجد قسم عظيم من عالم الغيب اختصّ اللّه عزّ وجلّ به نفسه، ومنه طائفة من تراتيب قضائه وقدره، لأحداث المستقبل.
وإنّ الغيب الّذي انفرد اللّه عزّ وجلّ بالعلم به، فأضافه إلى نفسه، بقوله: فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا هو غيب قضت حكمته جلّ جلاله، أن لا يطلع عليه أحدا من خلقه إلّا من ارتضى من رسول قضت حكمته بأن يكلّفه القيام برسالة ما حوله.
ومن غيبه جلّ جلاله مقادير إهلاك قوم ما، أو مقادير نصر قوم ما، ومواقيت تنفيذ ما وعد من خير أو شر بحسب حكمته.
ويوجد غيب لم يطلع اللّه عزّ وجلّ عليه أحدا، مثل وقت قيام السّاعة، فهي لا تأتي إلّا بغتة.
فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ: أي: فلا يطلع عليه. يقال لغة: أظهر فلانا على السّرّ، أي: أطلعه عليه.
أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ: أي: إلّا من رضيه باختيار حكيم فجعله رسولا، لأداء رسالة ما تتعلّق بالغيب الّذي أظهره عليه.
وسنّة اللّه المعروفة لنا أن يكون هؤلاء الرّسل من الملائكة ذوي المكانة فيهم، وقد يكون من غيرهم لعموم اللفظ في النص. وهو يدلّ أيضا على أن اللّه عالم الغيب على اختلاف تنوّع الغيوب بالنسبة إلى الخلائق.
*** قول اللّه عزّ وجلّ:
فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28) .