فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 652
ولا بدّ أن يكونوا قد أمروه بأن يكفّ عن تبليغ رسالات ربّه، تخوّفا منهم أن تتحوّل السّيادة والرّياسة إلى محمّد والّذين آمنوا به واتّبعوه، ويؤيّد هذا ما ذكره كتّاب السّيرة النّبويّة ورواتها.
لكن كان هذا منهم تدخّلا في أعظم قضيّة دينيّة لا يملكون منها شيئا، وهي في الحقيقة مشاركة للّه عزّ وجلّ في ربوبيّته، ومعلوم أنّ الدّاعي إلى سبيل ربّه إنّما يعبد اللّه في دعوته، فإذا أطاع الكافرين في ترك هذه العبادة، فقد رضي بأن يجعلهم شركاء للّه في ربوبيّته.
والجواب المناسب لتدخّلهم في خصائص ربوبيّة الرّبّ جلّ جلاله أن يقول لهم، كما جاء في تعليم اللّه لرسوله:
إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) :
أي: لا أعبد في دعوتي إلى سبيل ربّي إلّا ربّي وحده، ولا أشرك بعبادتي له أحدا، وإنّي لست أعبدكم، ولست أعبد آلهتكم الباطلة، ولست أجعل أحدا شريكا لربّي، حتّى أطيعه في أمر أعصي فيه أمر ربّي.
وهنا يقول لسان حالهم له: إذن فأنت تهيّئ أسبابك ووسائلك لمحاربتنا، وانتزاع سلطتنا منّا، وإكراهنا على اتّباعك واتّباع الدّين الذي جئتنا به.
فاقتضى هذا الأمر أن يقول لهم كما جاء في تعليم اللّه لرسوله:
إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (21) :
أي: إنّي لا أملك وسائل مادّيّة أضرّكم بها، حتّى أوقف إيذاءكم لي، وعدوانكم على الّذين آمنوا بي واتّبعوني.
وإنّي لا أملك أيضا وسائل إكراه وجبر حتّى تقبلوا ديني الذي أدعوكم إليه، فاللّه عزّ وجلّ لم يأذن لأحد من رسله بذلك، إذ الدّين لا إكراه فيه،