فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 653
ولا يمكن أن يكون جبرا، فالابتلاء الصّحيح لا بدّ أن يكون مصحوبا بحرّيّة الإرادة، وحرّية الاختيار.
وقد اقتضت الحكمة في الدّعوة توجيه هذا البيان، لتهدئة نفوس كبراء المشركين، المتوجّسة من تفاقم توسّع القاعدة البشريّة العريضة، من المستجيبين إلى الإسلام والدّخول فيه، ولطمأنتهم بأنّ الدّعوة لا تعدّ لحرب عسكريّة مسلّحة ضدّ خصومها وأعدائها، ولبيان حقيقة أنّ الدّين لا يكون بالجبر، ولا بالإكراه، أمّا الجبر فيكون بسلب الإرادة الحرّة، وأمّا الإكراه فيكون بالقسر والقهر مع رفض الإرادة وإبائها، وكلاهما مرفوضان في الدّين.
واقتضى حال المشركين الّذين أخذوا يتجمّعون ضدّ الرّسول ودعوته، وضدّ الّذين آمنوا به واتّبعوه، أن يبيّن لهم أنّه يخشى عقاب اللّه عزّ وجلّ، إذا لم يؤدّ رسالاته، ولم يبلّغ ما أمره اللّه بتبليغه للنّاس، وأن يبيّن لهم أنّ عقاب اللّه إذا نزل به، فإنّه لن يجيره منه أحد، وأنّه لا يجد للتّخلّص منه ملجأ يلتجئ إليه، فجاء في التّعليم الرّبّانيّ:
قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) .
واقترن بهذا التعليم استثناء يؤكّد مضمونه، وهو من فنّ تأكيد الفكرة بما يوهم في بدء الكلام الاستثناء منها، فجاء في التعليم:
إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ ... (23) .
أي: إنّ الّذي يملكه لهم وينجيه من عذاب اللّه هو أن يتابع تبليغ ما يأمره اللّه بتبليغه للنّاس، وأن يؤدّي الرّسالات الّتي يأمره اللّه عزّ وجلّ بأن يوصلها للناس.
واقتضى هذا الأمر تحميلهم مسؤوليّاتهم تجاه ربّهم، وإنذارهم بعقاب اللّه، إذا عصوا اللّه ورسوله المبلّغ عنه، فجاء في البيان الرّبّانيّ: