فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 654
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا (23) .
واستتبع هذا الإنذار تنبيههم على أنّ ما يشعرون به الآن (أي: في المرحلة الّتي نزلت فيها سورة الجنّ) من تفوّق في العدد وفي القوّة الغالبة، فإنّهم سيجدون أنفسهم أضعف قوّة وأقلّ عددا من المؤمنين المسلمين، إذا جاء وعد اللّه.
وقد جاء البيان مجملا غير صريح بأنّه سيكون في الدنيا قبل الآخرة، لئلا يكون التّصريح بالوعد الدنيويّ محرّضا لهم على المبادرة باتّخاذ وسائل القمع الشّديد، قبل أن يجد المسلمون قاعدة أرض يتمكّنون فيها، ويجمعون فيها جمعهم، ويعدّون فيها عدّتهم القتاليّة، فجاء في البيان قول اللّه عزّ وجلّ.
حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (24) :
هذا البيان موجّه للمؤمنين لطمأنتهم وبشارتهم بنصر اللّه بعد حين، وفيه تعريض وتلويح بأسلوب غير مباشر لمضطهدين، بأنّهم سيكونون أضعف ناصرا وأقلّ عددا، وجاء غير صريح بأنّ هذا الأمر سيكون في معارك قتاليّة بينهم وبين الرّسول وأتباعه، ليمكن صرفه إلى وعد الجزاء يوم الدّين، أو إنزال عقاب ربّاني عليهم من السماء، حتّى لا يكون دليلا على أنّ الخطّة المدبّرة سيكون من مراحلها محاربتهم في معارك قتالية حربيّة، يكون فيها انتصار الرسول والمؤمنين معه عليهم.
وقد يسبق إلى أذهان المشركين أنّ المراد الوعد بالعذاب الأخرويّ، أو بكوارث ربّانية دنيويّة فيسألون: متى يكون تحقيق هذا الوعد، إنّنا لا نشاهد له أثرا؟
وقد يضعون في احتمالهم أن يكون المراد بالوعد، انتصار المسلمين، وهزيمة مضطهدين.
فاقتضى استبطاؤهم هذا الوعد، واستهانهم به، حتّى كأنّه وعد كاذب