فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 669
والتسخير الجبريّ قد يكون ضمن سنّة ثابتة، كسنن اللّه وقوانين خلقه في كونه. وقد يكون دون سنّة ثابتة، مثل المعجزات وخوارق العادات، ومنها تسخير عصا موسى عليه السلام، فيما أجرى اللّه فيها من معجزات.
والتسخير كلّه لا يخرج عن دائرة التحرّك ضمن إرادة الرّب الخالق وخلقه دواما.
وقد سخّر اللّه للنّاس قسما من طاقاتهم في ذواتهم، وسخّر لهم كثيرا من مخلوقاته في كونه، في الأرض وفي السّماوات، وهم يستفيدون من المسخّرات لهم أو يحرّكونها بإراداتهم الحرّة التي منحهم اللّه إيّاها، وأعطاها بقضائه وقدره وقدرته القدرة على أن تشاء بحرّيّة، ليختبر اختياراتها، وحينما تشاء إرادة الإنسان شيئا فإنّها لا تكون مجبورة في ذلك الشيء الذي شاءته، لأنّها ممكّنة بإرادة اللّه وقضائه وقدره من أن تشاء بحرّيّة دون جبر.
العلاقة بين الابتلاء والتسخير:
قد شاء اللّه الرّبّ الخالق العزيز العليم الحكيم أن يخلق الإنسان في أحسن تقويم، مزوّدا بالصفات الّتي تؤهّله لأن يكون ممتحنا في ظروف هذه الحياة الدنيا، وأن يكون مناط المسؤولية فيه جهاز إرادته الحرّة، المصحوبة بالإدراك العلمي الكافي للتكليف، والمصحوبة بالأهواء والشهوات ونزعات الخير ونزغات الشرّ، والممكّنة من توجيه طاقاته لفعل ما تختار من خير وشرّ، وطاعة أو معصية.
وإذ تمّت بهذا مشيئة الرب الخالق العزيز العليم الحكيم، فقد اقتضى هذا الأمر أن يسخّر للإنسان بقضائه وقدره وخلقه ضمن سنن ثابتة قسما من طاقات العمل والحركة في داخل جسده، وأن يسخّر له في الكون من حوله مسخّرات كثيرات، تعمل له بطاقاتها وتطيعه، لتحقيق ما يريد من خير أو شرّ، متى اهتدى بما وهبه الرّبّ من حول وحيلة وفكر، إلى مفاتيح