فهرس الكتاب

الصفحة 3500 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 673

وكلّ من الابتلاء بالنّعم والمصائب يدخل في مفهوم الخير المطلق، إذ هو وسيلة لتحقيق التمييز بين الطيّب والخبيث من النّفوس، وهذا التمييز هو من الخير، واللّه عزّ وجلّ لا يصدر عنه إلا الخير، والشرّ المطلق المحض لا يكون من اللّه ولا يصدر عنه سبحانه، لكن قد يصدر عنه ما يسمّيه الناس في عرفهم شرّا، إذ هو وسيلة مؤقّتة لتحقيق الخير العظيم الجليل.

الحكمة الثانية:"التربية والتأديب":

هذه الحكمة تشمل المكلّفين ومن هم خارج دائرة التكليف، كالأطفال الذين لم يبلغوا مبلغ الامتحان والتكليف.

فالنّعم والمصائب التي يتعرّض لها كلّ الناس صغارا وكبارا، ضمن مجاري سنن اللّه وقوانينه العامّة، قد تكون الحكمة منها تربية وتأديب من تنزل بهم.

إنّ مما يدركه الحكماء من المربّين المؤدّبين أنّهم قد يربّون من يتولّون تربيتهم وتأديبهم، بما يحبّون أحيانا، وبما يكرهون أحيانا أخرى، وما يكرهون قد يكون هو خيرا لهم، وما يحبّون قد يكون هو شرّا لهم، لو عقلوا وتدبّروا النتائج والعواقب.

إنّ الناشئ الذي لا يتعرّض لما يكرهه ولما يؤلمه، لا يكون في المستقبل رجلا قادرا على تحمّل ما قد يواجه من مصائب الحياة ومؤلماتها.

وإنّ الناشئ الذي لا يذوق طعم ما يحبّ أحيانا ثم طعم ما يكره أحيانا، لا يكون إنسانا سويّا، قادرا على أن يواجه ألوان تصاريف اللّه في كونه ضمن سننه العامّة.

ونلاحظ أن الضّبّاط العسكريّين الذين يشرفون على تربية وتأديب الجنود، قد يحمّلون جنودهم أعباء شديدة، ويكلفونهم القيام بأعمال شاقّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت