معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 29
وتظهر أيضا للمتدبّرين الباحثين في موضوعاته المنبثّة في ثنايا سوره، حين يجمعون نصوص كلّ موضوع، ويتدبّرونها تدبّرا تكامليا، فيكتشفون باستخراجها، وجمعها، وتدبّرها تدبّرا تكامليّا، عجائب ودلالات تكامليّة، لم يتوصّل إلى اكتشافها علماء القرون السّابقة، ويكتشفون أنّه لا تناقض ولا تضادّ بين نصوصه، على الرّغم من بثّها في مختلف السّور، وتنزيلها في أزمان متعدّدة في نجوم متفرّقة، ولو كان من عند غير اللّه لوجد الباحثون المنقّبون فيه اختلافا كثيرا. ويكتشفون التوافق التّامّ بين ما عرضه القرآن من بيانات عن أمور كونيّة، وبين ما توصّلت إليه حقائق العلوم، بعد جهود مضنية بذلها علماء البحث الكوني طوال قرون، في القضايا التي عرض القرآن بيانات عنها. ويكتشفون مطابقة شرائعه وتعليماته وأحكامه ووصاياه للناس، للفطرة الّتي فطر الرّبّ الخالق النّاس عليها، ويكتشفون أنّها أحكم وأعدل وأصلح وأنفع من كلّ ما يصنع النّاس لأنفسهم من قوانين وأنظمة مخالفة لما جاء فيه، ممّا تصوّروا أنّها صالحة نافعة، يدرك هذا المنصفون منهم.
إنّ هذه العناصر الحكميّة الّتي اشتمل عليها القرآن الحكيم، مع عناصر أخرى لم يكتشفها النّاس بعد فيه، تحمل بذاتها شهادة على أنّ هذا القرآن المجيد تنزيل من اللّه العزيز الحكيم الرحيم. إذ لو كان من عند غير اللّه لوجد النّاس فيه اختلافا كثيرا بين بعض آياته وبعض، واختلافا كثيرا بين بياناته وحقائق العلم الإنساني، وبينها وبين ما هو الأحكم والأعدل والأصلح والأنفع للنّاس من الشّرائع والأحكام وتعليمات السّلوك في الحياة الدّنيا، وهذا من دلائل كونه معجزة للناس.
وبما أنّ القرآن يحمل بذاته الصّفات الّتي تشهد بأنّه كلام اللّه، وبما أنّه لم يصل إلى الناس إلّا بلاغا عن اللّه جلّ جلاله، من النبيّ الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، فإنّ إتيانه به حجّة قاطعة وبرهان ساطع، على أنّه رسول اللّه حقّا وصدقا.