معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 34
الكتاب، وبعث الرسول، وأبان الصّراط المستقيم للناس، وإشارة إلى أنّه برحمته العظيمة يجزي عباده المؤمنين الّذين يعملون الصّالحات في جنّات النّعيم يوم الدين.
* لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (6) .
الإنذار: هو الإخبار بالعاقبة المؤلمة.
أي: جعلناك يا محمّد نبيا رسولا، وأنزلنا عليك القرآن، المشتمل على بيان الصّراط المستقيم، وأنت سائر عليه لا تخرج عن حدوده، فأنت الأسوة الحسنة، لتكليفك أن تنذر قوما الإنذار الّذي أنذره آباؤهم، فأعرضوا عنه وأهملوه فهم غافلون، مشغولون في أمور دنياهم، واتباع أهوائهم وشهواتهم، وضلالات المضلّين، وعقائدهم الباطلة القائمة على الشّرك باللّه في ربوبيّته وإلهيّته، وإنكار الجزاء ويوم الدّين.
الغفلة: انصراف الذّهن عن ملاحظة الشيء ومراقبته، مع وجوده في مجال الإدراك أو وجود أدلّته، وإمكان إدراكه، لولا وجود الصارف أو السّهو، الّذي هو بمثابة إطباق الأجفان على العيون.
يقال لغة: غفل عن الشيء يغفل غفولا وغفلة.
والإنذار هو المهمّة الّتي تأتي بعد التّبليغ، والدّعوة بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالّتي هي أحسن، وترغيب من استجاب وأطاع بالعاقبة الحسنى في جنّات النعيم، أمّا من أبى وعاند فلم يستجب لدعوة الحقّ، فيأتي إنذاره بالعاقبة السّيّئة في جهنّم دار عذاب الكفرة المكذّبين.
فذكر الإنذار الذي تسبقه مراحل دعويّة تقتضيها قواعد الدّعوة إلى اللّه، والتّراتيب العقليّة الحكيمة، يدلّ عن طريق اللّزوم الذّهنيّ على هذه المراحل.