معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 35
كمن يقول لولده وهو ما زال في المرحلة الابتدائية: لقد أدخلتك يا ولدي في المدرسة لتنال شهادة الدّكتواره، أي: بعد أن تجتاز المرحلة الابتدائية، والمرحلة الإعداديّة، والمرحلة الثانويّة، والمرحلة الجامعيّة، ثمّ الماجستير، فالدّكتوراه.
وكمن يقول لراغب في الحجّ، خذ هذا المقدار من المال لتحجّ به، أي: لتهيّئ كلّ ما تحتاج إليه، وتسافر من بلدك مجتازا المسافات، على وسائل النقل الّتي تتيسّر لك، حتّى تصل إلى مكّة في موسم الحجّ وتحجّ مع وفود الرّحمن.
فالمعنى: لتبلّغ الناس ما أوحى ربّك إليك، وتبيّن للناس ما أنزل إليهم، وتدعو إلى اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وتضرب بنفسك المثل الأعلى، وتبشّر المؤمنين ثمّ لتنذر أخيرا الكافرين المكذّبين المصرّين على عنادهم وجحودهم.
عبارة ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ تردّدت في تفسيرها أقوال المفسّرين بين إثبات إنذار آبائهم ونفيه، وعلى النّفي فلفظ قَوْمًا حرف نفي، وعلى الإثبات يمكن أن يكون لفظ قَوْمًا اسم موصول بمعنى الّذي، ويمكن أن يكون حرفا مصدريا يؤوّل مع ما بعده بمصدر.
فعلى أنّه اسم موصول يكون تقدير الكلام: لتنذر يا محمّد قوما العذاب الّذي أنذره آباؤهم.
وعلى أنّه حرف مصدريّ يكون تقدير الكلام: لتنذرهم إنذار آبائهم الّذي أنذروه على لسان رسولهم وهو إسماعيل بن إبراهيم عليه السّلام بالنسبة إلى العرب في جاهليتهم.
ونفي الإنذار وجّهه القائلون به لآبائهم الأقربين، وذلك لأنّ آباءهم الأبعدين قد أنذروا حتما، فلا يستقيم النفي العام، وعن إسماعيل عليه السّلام ورث العرب عبادة الحجّ ومناسكه، والصّلوات الّتي كانو يصلّونها،