معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 36
والطواف الذي كانوا يطوفونه، واستمرّت هذه المواريث حتّى بعثة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
أدلة القول بالإثبات:
والفهم الذي اتّضح لي بجلاء هو القول بالإثبات لا القول بالنفي، والدليل عليه ما جاء في القرآن، من بيان أنّه ما من أمّة خلت في الماضي من القرون، إلّا أرسل اللّه عزّ وجلّ لها رسولا أنذرها، أو بلغها إنذار رسول، وبذلك قامت حجّة اللّه على الأمم، وآباء العرب أمّة من الأمم، ومن الأدلة ما يلي:
(1) قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (فاطر/ 35 مصحف/ 43 نزول) خطابا لرسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم:
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ (24) .
أي: وما من أمّة من الأمم إلا سلف ومضى فيها نذير أنذرها بعذاب اللّه في نار جهنّم إذا هي كفرت، وكذّبت بآيات ربّها، وكذّبت الرّسول المؤيّد بآيات منه وخوارق.
(2) وقول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الأنعام/ 6 مصحف/ 55 نزول) حديثا عن مشهد من مشاهد يوم الدّين إذ يخاطب اللّه الجنّ والإنس معا:
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (130) .
فأثبت هذا البيان الرّبّاني أنّ اللّه جلّ جلاله ينادي يوم الدّين معشر الجنّ والإنس، فيقول لهم:
أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا؟