فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 47
قول اللّه تعالى:
* إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) .
أَغْلالًا: جمع"غلّ"وهو طوق من حديد أو جلد، يجعل في عنق الأسير، أو المجرم، أو في أيديهما، وقد تجمع يد المغلول إلى عنقه، وتطوّقان بالغلّ.
الْأَذْقانِ: الأذقان: جمع"الذّقن"وهو مجتمع اللّحيين من أسفلهما.
مُقْمَحُونَ: أي: رافعوا رؤوسهم إلى الأعلى، يقال لغة: أقمح الغلّ الأسير، أي: ضيّق الغلّ على عنقه، إذ كان عرضه أكثر من مسافة عنقه فاضطره إلى رفع رأسه.
والمراد بالجعل هنا في عبارة: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا تطبيق سنّة من سنن اللّه في كونه، وهي أنّ من جعل نفسه باختياره الحرّ أسير جوامحه من الأهواء والشهوات والكبر، وحبّ العلوّ في الأرض، والرّغبة في الفجور، فإنّه لا بدّ أن يرفض دعوة الحقّ الّتي جاء بها الرّسول، ولا بدّ أن يعاند ويستكبر، وهذا من سنن اللّه عزّ وجلّ وقوانينه في النفوس ذوات الإرادات الحرّة المبتلاة في ظروف الحياة الدّنيا.
وسنن اللّه عزّ وجلّ وقوانينه تعطي نتائجها بجعل منه تبارك وتعالى، وإن كانت أسباب استخدامها من إرادات العباد.
فمن رمى نفسه من شاهق على الصّخور، قتله اللّه بالصّخور الّتي ارتمى عليها، وكسّر له بها عظامه، ومزّق لحمه، وشحمه، وأعصابه، ضمن سننه وقوانينه الثّابتة.
ومن استجاب لدواعي الكفر في نفسه، شعر بأنّ شيئا نفسيّا يأسره،