فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 49
وحبّهم الاستعلاء في الأرض بغير الحقّ، وأسرى رغباتهم الجامحات في الفجور، وأسرى الشّياطين الّتي تسوقهم أو تقودهم إلى شقائهم.
ولمّا كان المعتاد في الأسرى أن توضع الأغلال في أعناقهم، وأن يقادوا منها بالسّلاسل، ولمّا كان من الأغلال ما هو ضيّق عريض، وبسبب ضيقه وعرضه يضطّرّ المغلول بواحد منها إلى أن يرفع ذقنه إلى الأعلى، كان منظر الرّافض لدعوة الحقّ الّذي يرفع رأسه إلى الأعلى نفيا واستكبارا، مشابها لمنظر هذا المغلول بالغلّ الضّيّق العريض.
ولمّا كانت أغلال هؤلاء الكفرة أغلالا غير مرئيّة، وهي ضاغطة على رقابهم من داخل نفوسهم، كان ما يرى من ظاهرهم تعبيرا مادّيّا عن هذه الأغلال النّفسيّة، الّتي جنوا على أنفسهم بتقلّدها، وأجرموا وظلموا، وجعلوا إراداتهم تجرّ بسلاسلها إلى ما هم به مغترّون منخدعون، وهم بسببها زادوا كفرا وعنادا، وزادوا إصرارا على الباطل، على الرّغم من تبلّغهم الحقّ، وعلى الرّغم من عرض أدلّته البرهانيّة عليهم، وإقامة الحجّة الدّامغة لهم، وعلى الرّغم من الترغيب العظيم لمن آمن وأطاع بما يطمع فيه العقلاء الرّاشدون فيزهدون بكلّ الدّنيا من أجله، وعلى الرّغم من الترهيب المخيف لمن كفر وعصى، ممّا يرهب منه رهبا شديدا العقلاء الرّاشدون، فيحذرون من فعل كلّ ما نهى اللّه عنه، ومن ترك كلّ ما أمر اللّه به.
وتقول إيحاءات هذه الآية: فلا تحسبنّ أيّها المتدبّر أنّ ما تراه من رفع رؤوس الجاحدين المستكبرين إلى الأعلى، رافضين الاستجابة لدعوة الحقّ الرّبانيّة معبّرا عن علوّ نفوسهم، بل هم مقمحون أسرى الجوامح من أهوائهم وشهواتهم وكبرهم وحبهم الاستعلاء في الأرض بغير الحق، وأسرى رغباتهم في الفجور، وأسرى الشياطين.