فهرس الكتاب

الصفحة 3590 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 50

وبما أنّهم أسرى، فالأغلال الضّيّفة العريضة تشدّ على أعناقهم، وتدفع أذقانهم، فيرفعون بسبب ذلك رؤوسهم وأنوفهم، فيظهرون للرّائين مستكبرين.

وهل يوجد أذلّ وأحقر من الأسير، الّذي يجرّ بسلسلة معقودة بغلّ يطوّق عنقه؟!.

هكذا صوّر اللّه عزّ وجلّ حالة هؤلاء المعاندين المستكبرين، الّذين رفضوا دعوة الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم من كبراء مشركي أهل مكّة حينئذ، ويلحق بهم أشباههم في كلّ عصر وفي كلّ أمّة.

*** قول اللّه تعالى:

وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9) :

(سدا) و (سدا) على القراءتين المتواترتين، بفتح السّين وضمها:

هو الحاجز بين شيئين، ومنه سدّ الصين، وسدّ ذي القرنين، والسّدّ الّذي يحجز الماء.

فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ: أي: فجعلنا على بصائرهم غشاء، الغشاء والغشاوة: الغطاء السّاتر.

أي: وجعلنا بمقتضى سنننا السّببيّة، وقوانيننا في النفوس ذوات الإرادات الحرّة المبتلاة في ظروف الحياة الدنيا، حاجزا من أمامهم وحاجزا من ورائهم، يحجب عنهم الرّؤية كيفما استداروا، لأنّهم اختاروا لأنفسهم ظلمات الكفر والجحود، واتّباع الأهواء والشهوات ورغبات الفجور، ومواقع هذه الظّلمات محجوبة عن مواقع أنوار الهداية الرّبّانيّة.

واقتصر النصّ على ما بين أيديهم وما خلفهم، لأنّ ما بين يدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت