فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 51
الناظر يشمل نصف الدائرة من حوله، إذ البصر يرى من الجهة الّتي يتوجّه لها مقدار نصف الدائرة أو الكرة من حول الناظر، فيدخل ما هو عن يمينه وما هو عن شماله وما هو من فوق هذه الجهة، فالسّدّ من بين يديه كلّ هذه الجهة، وحين يستدير إلى خلفه يجد سدّا آخر بمقدار نصف الدائرة أو الكرة من حوله، فعبارة: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا تشمل كلّ ما حوله، فلا حاجة إلى إضافة: وعن أيمانهم سدّا، وعن شمائلهم سدّا ومن فوقهم سدّا. وهذا من دقائق التعبيرات القرآنية.
وهذه الآية تقدّم صورة تمثيليّة رائعة لحالة عدم رؤيتهم للحقّ، وهي تعرض ما قام دون بصائرهم من سدود تمنع عنها رؤية الحقّ، بسبب كونهم سجناء شهواتهم وأهوائهم وكبرهم، وحبّهم الاستعلاء في الأرض بغير الحقّ، ورغباتهم في الفجور، ومن ورائها الشياطين.
وجاء في الصورة تسمية الحجب سدودا، ولم يسّمها اللّه ستورا أو نحو السّتور، لأنّ هذه الحجب تصلّبت وتحجّرت، فهي حريّة بأن تسمّى سدودا، إذ هي بالنسبة إليهم وإلى من هم مثلهم تشبه السّدود.
وقد جعل اللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- في أنظمة النفوس الّتي هي إحدى سننه وقوانينه في كونه، أنّ من جعل نفسه باختياره الحرّ سجين أهوائه وشهواته إلى سائر الجوامح الأواسر لنفسه، أن تقام بين بصيرته وبين الحقّ سدود من بين يديه ومن خلفه، وهذه السّدود تحجب عن بصيرته رؤية الحقّ.
وهل يوجد أذلّ وأحقر وأخزى من أسير سجين لا يرى أنوار الهداية الرّبّانيّة؟!
هكذا صوّر اللّه عزّ وجلّ حالة هؤلاء المعاندين المستكبرين، الّذين دخلوا باختيارهم الحرّ في سجن الجوامح الأواسر المتعلّقة بمتاع الحياة الدنيا وزينتها.