فهرس الكتاب

الصفحة 3592 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 52

إنّهم بدخولهم هذا السّجن المظلم الخادع باللّذّات، قد جعلوا أنفسهم ضمن سدود تحجب عنهم رؤية الحقّ ضمن أنظمة اللّه في كونه للنّفوس، فهم لا يبصرون.

إنّ نظام اللّه عزّ وجلّ ضمن قوانينه السّببيّة للنّفوس، يشبه نظامه ضمن قوانينه السببّية للمدركات الحسيّة، التي نلاحظ فيها أنّ من أدخل يده في النار بإرادته الحرّة أحرقها اللّه له ضمن قوانينه السببيّة في كونه، ومن شرب سمّا قاتلا بإرادته الحرّة أو بغير إرادته، قتله اللّه عزّ وجلّ بسمّه، ضمن قوانينه السببيّة في كونه.

كذلك من اختار بإرادته أن يتّبع أهواءه وشهواته من متاع الدنيا ويستجيب لوساوس الشياطين، واختار أن تكون بصيرته بعيدة عن أنوار الهداية الرّبّانيّة، جعل اللّه في عنقه غلّا يصيّره مقمحا، وجعل بينه وبين أنوار الهداية الرّبّانيّة، سدّا من بين يديه وسدّا من خلفه، وكلّ ذلك ضمن قوانينه السّبيّة في كونه تبارك وتعالى.

وحين توجد هذه الأغلال، وتوجد هذه السّدود، فإنّ الإنذارات والتّحذيرات الّتي توجّه له لا تؤثّر في نفسه أثرا ما، لأنّه في داخل نفسه محجوب عنها، مقود كالأسير إلى الجهات المضادّة لما تدعوا إليه، أو تحذّر منه، أو تنذر به.

فسواء عليه أَأنذرته أم لم تنذره فإنّه لن يستجيب.

قول اللّه تعالى:

وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (10) .

الهمزة في: أَأَنْذَرْتَهُمْ هنا هي همزة التسوية كما يقول النحويون.

أي: واستوى فوقهم إنذارك لهم بعذاب اللّه المسلّط بقدر اللّه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت