فهرس الكتاب

الصفحة 3611 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 71

الأمر الأوّل: أنّهم من الّذين ينكرون الرّسالات الرّبانيّة للناس، مع إيمانهم باللّه عزّ وجلّ، وهذا ظاهر من قولهم: وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ.

الأمر الثاني: أنّهم يؤمنون بأنّ اللّه عزّ وجلّ هو الرحمن، على خلاف عقيدة جمهور مشركي مكّة قبل الإسلام، الّذين كانوا يؤمنون باللّه ربّا خالقا للكون، ولا يؤمنون بأنّه الرّحمن الرحيم، بل ينسبون صفة الرحمة إلى شركائهم، ويلتمسون عند شركائهم منافعهم ومصالحهم الدّنيوية، ودفع المضار عنهم، ويرجون لديهم أن ينصروهم على أعدائهم، فيجعلون لشركائهم بعض خصائص الرّب، وينفونها عن الرّبّ الخالق.

وبما أن أصحاب هذه القرية الّذين أرسل اللّه إليهم ثلاثة رسل يؤمنون بأن اللّه هو الرّحمن، فالظاهر أنّ عقيدتهم في شركائهم تشبه عقيدة بعض مشركي العرب، الّذين كانوا يقولون في شركائهم: ما نعبدهم إلّا ليقرّبونا إلى اللّه زلفى.

الأمر الثالث: أنّهم ينكرون الآخرة ويوم الدين، لأنّ أعظم ما تشتمل الرّسالات الرّبّانيّة بعد الإيمان باللّه وبصفاته وأسمائه الحسنى، هو الإيمان بالجزاء، وبيوم الدّين، وبمطالب اللّه من عباده في رحلة امتحانهم في الدّنيا، للحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء يوم الدّين.

* وأمّا الاتّهام: فقد دلّ عليه قولهم: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ خطابا لرسلهم، أي: ما أنتم إلّا بشر تكذبون في ادّعاء أنّكم رسل تبلّغون دين اللّه للنّاس.

وإذ وجّهوا هذا الاتّهام للرّسل الثلاثة، بناء على توهّمهم بأنّ البشر لا يصلحون لتلقّي رسالة عن اللّه بوساطة الوحي، وتوهّمهم بأنّ الرّحمن ما أنزل للنّاس رسالة ما، فقد ألغوا كلّ احتمال يستبعد عن الرّسل الثلاثة صفة الكذب، كاحتمال أن يكونوا متوهّمين لم يتعمّدوا الكذب، وكاحتمال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت