فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 75
ومعلوم أنّ أمثال هذه الذرائع والتّعلّات تجد رواجا عند الجماهير، للغوغائيّة الّتي تشيع فيهم، ولسيطرة المفهومات الخرافيّة الّتي تكثر بين أهل الكفر، ولا سيما أصحاب العقائد الوثنيّة، الذين لا يؤمنون بيوم الدّين، ويجعلون لأوثانهم تأثيرات غيبيّة في أحوال الناس، وفي الظواهر الطبيعيّة في الأرض، الّتي تتمّ بقضاء اللّه وقدره.
وأتبعوا تطيّرهم برسل ربّهم متذرّعين بأنّ ما نزل بهم من مصائب قد كان بسببهم، أن هدّدوهم بالقتل رجما بالحجارة، مع عذاب أليم يمسّونهم به في أجسادهم ونفوسهم.
قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ: أي: قال الملأ من أهل القرية للرّسل الثّلاثة، إنّا نرى أنّ ما نزل فينا من مصائب قد كان بسببكم وبسبب دعوتكم.
التطيّر: التشاؤم بالأشياء، أو بالأشخاص، أو بالأحداث، كمرئي، أو مسموع، وأصل التّطيّر مأخوذ من زجر العرب للطّير، فإذا طار إلى جهة اليمين تفاءلوا، وإذا طار إلى جهة الشّمال تشاءموا، ثمّ صار كلّ تشاؤم بشيء ما يطلق عليه لفظ"طيرة"، وضدّ الطيرة التفاؤل بالأشياء، وكان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم يتفاءل ولا يتطيّر.
وجاء فيما ثبت عنه صلوات اللّه وسلاماته عليه قوله:"لا عدوى ولا طيرة".
أي: لا عدوى تؤثّر بذاتها دون قضاء اللّه وقدره أو إذنه، ولا توجد أشياء، ولا أحياء، ولا أحداث، لها صفات خفيّة تحمل شؤما حتّى يتطيّر بها، وهذا المعنى لا يتنافى مع وجوب اتقاء ما فيه شرّ أو ضرّ أو أذى، بحسب صفاته التي فطره اللّه عليها، كالحيوانات المفترسة، أو السّامة، وكالحشرات الضارّة أو المؤذية، فتحاشيها حذرا من شرورها ليس من الطّيرة، بل هو من وسائل الوقاية من شرّ ما خلق اللّه في كونه.