فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 76
وقد أمرنا اللّه عزّ وجلّ بأن نستعيذ به من شرّ ما خلق.
اشتملت هذه الآية على مقولتين قالهما ملأ أصحاب القرية لرسل ربّهم.
المقولة الأولى: دلّ عليها قولهم: إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ: أي: إنّ ما نزل بنا ممّا نكره من نقص في الأموال والأنفس والثمرات، قد كان بسبب وجودكم بيننا، ودعوتكم الّتي جئتمونا بها.
والمعنى: فكفّوا عن دعوتكم حتّى يذهب عنّا ما نزل بنا من مكروه.
المقولة الثانية: دلّ عليها قولهم: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (18) :
لَئِنْ: اللّام موطئة للقسم، والتقدير: نقسم لئن لم تنتهوا عن متابعة دعوتكم لنرجمنّكم، وليمسّنّكم منّا عذاب أليم.
قدّم التّهديد بالقتل بوسيلة الرّجم بالحجارة، الّذي كان إحدى وسائل القتل في العصور القديمة للمنبوذين المطرودين، للتخويف بأشدّ الأمرين ابتداء، وعطف عليه التّهديد بأن يمسّهم منهم عذاب أليم بالواو الّتي هي لمطلق الجمع فلا تفيد ترتيبا ولا تعقيبا، مع ما في تأخير جملته من صياغة ملائمة لنسق الآيات، وإذ كان من المعلوم بداهة أنّ تعذيبهم عذابا أليما غير قاتل يكون عادة قبل الرّجم القاتل، كانت الدلالة الفكريّة مغنية عن استخدام التقديم في الترتيب، للإشعار بأنّ الرّجم يكون هو المتأخّر لدى التنفيذ.
وجاء التعبير بالمسّ للدّلالة على أنّ التعذيب قبل الرّجم لا يصل إلى مستوى القتل.