فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 80
عن قصّة الرّجل المؤمن الّذي أسرع يسعى من أقصى المدينة، حتّى وصل إلى حيث اجتمع قادة أهلها، وجمهور من عامّتهم، لتنفيذ ما توعّدوا به الرّسل، قد دلّ على مبلغ إيمان هذا الرّجل وتضحيته بنفسه.
إنّه من أقصى المدينة وعلم بالخبر، فجاء يسعى، ومثله لا بدّ أن يشقّ صفوف الجماهير المجتمعين حتّى يبلغ دائرة الوسط، وهذا العمل يدلّ على أنّه مجاهد أقبل في حالة رويّة وتصميم، لينصر المرسلين الوافدين إلى قومه من غير قومه، ويدلّ على أنّه لم يكن حاضرا في مجتمع القوم، فبلغه الخبر، فتحمّس بانفعال لينصر الرّسل، وقد كان من الذين آمنوا بهم، واستجابوا لدعوتهم.
ودلّ تقديم عبارة: مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ على فاعل جاءَ وهو رَجُلٌ على أنّ حضوره من أقصى المدينة قد كان سعيا جهاديّا عن حماسة وتصميم وتضحية بالنفس، دفاعا عن الحقّ الرّبّاني، وقد كان من نتيجة سعيه أنّه جاهد ونصر دعوة الحقّ، واستشهد في سبيل اللّه.
بخلاف الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى مستخفيا، ليبلّغ موسى عليه السّلام، بأنّ القوم يأتمرون به ليقتلوه، ولينصحه بأن يخرج.
إنّه إذ لم يكن لقدومه من أقصى المدينة إلّا الإشارة إلى أنّه من الّذين لهم معرفة بما يجري في القصر الفرعوني، ومداخلة ضمن الملأ الذين يقرّرون، لم يكن داع لتقديم عبارة مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ على الفاعل الّذي هو: (رجل) في قول اللّه عزّ وجلّ في معرض الحديث عن قصّة موسى عليه السّلام، في سورة (القصص/ 28 مصحف/ 49 نزول) :
وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) .
فمن دواعي تقديم ما حقّه التأخير في الجملة العربيّة التّنبيه على أمر