معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 100
هذا احتمال غير مستبعد، بسبب أنّ الّذين أهلكوا من مكذبي الرّسل السّابقين، لا يرجعون إلى الحياة الدّنيا، ليخبروا بأنّ اللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- قد أهلكهم وعذّبهم بسبب كفرهم وتكذيبهم رسل ربّهم، وبأنّهم يلاقون عند ربّهم عذابا في البرزخ، وبأنّهم يترقّبون عذابا أليما يوم الدّين في نار جهنّم.
هذا الاحتمال دلّت عليه عبارة: أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (31) ؟!
فالمعنى: أيشكون في سبب تعرّض المهلكين السّابقين للهلاك الشّامل، لأنّهم إليهم لا يرجعون، فلا يخبرون بما جرى لهم؟!.
ومع أنّ هذا الاحتمال احتمال ساقط لا يعتمد عليه أولوا الألباب، إلّا أنّه أقوى احتمال يمكن أن يتذرّع به المكذبون المعاصرون للرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، على الرّغم من ضعفه وسقوطه وعدم صلاحيّته للاعتماد عليه.
وقد ابتعدت عن هذا المعنى أذهان المفسّرين، إذ تشبّثوا بقيود الصناعة النحويّة، وغفلوا عن أنّ القرآن المجيد له أسلوبه الخاصّ في المحاذيف، وفي الاختزالات الإيجازيّة الّتي يكشف دقائقها التأمّل في المعاني وروابطها، وحسن التّدبّر لما في القرآن المجيد من المثاني.
*** قول اللّه تعالى:
وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (32) :
سبق توجيه قراءتي [لمّا] بتشديد الميم و [لما] بتخفيف الميم.
والمعنى على قراءة [لمّا] : وما كلّ من الأوّلين والآخرين إلّا جميع لدينا محضرون، بعد بعثهم للحياة الأخرى، ليلاقي الممتحنون في الحياة الدّنيا منهم حسابهم، وفصل القضاء بشأنهم، وجزاءهم، على ما أسلفوا في رحلة الحياة الدّنيا دار الابتلاء.