فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 105
قول اللّه تعالى:
* ... وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (35) :
أتبع اللّه عزّ وجلّ دليل إحياء الموتى من خلال لفت الأنظار إلى إحياء الأرض بعد موتها، بالامتنان على عباده، بما تنتج النّباتات اللّاتي صارت ذوات حياة بعد موتها، من حبّ يأكل منه النّاس، ويتلذّذون بأكله مع تناول غذائهم منه. ومن ثمر تخرجه الأشجار، فيأكل منه النّاس غذاء واستمتاعا بطعومه اللّذيذة.
وأتبع اللّه عزّ وجلّ هذا الامتنان بالتوجيه لواجب شكره على نعمه، أو التّذكير به.
إنّ الامتنان بطائفة من نعم اللّه على عباده، اشتقاقا من آية كونيّة جاء لفت أنظار المتفكّرين إلى كونها إحدى الآدلّة المتكرّرة في أحداث الكون على البعث إلى الحياة يوم الدين، بغية حثّ أولي الألباب على شكر اللّه على نعمه، لاجتياز رحلة امتحانهم في الحياة الدّنيا بالإيمان، والعمل الصالح، من فنون البيان الرّفيع الّذي اشتملت عليه آيات القرآن المجيد.
وهذا يدخل فيما يسمّى عند علماء البديع:"الإدماج"وهو إدخال غرض بياني في غرض آخر، أو إدخال فكرة في فكرة، والتذكير بواجب الشكر في العبارة الأخيرة: أَفَلا يَشْكُرُونَ لا يلغي فيما أرى بديعيّة"الإدماج"في فقرات النّصّ قبلها، بل هو يكشف الفكرة المدمجة.
* وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا: أي: وأخرجنا من الأرض الّتي أحييناها حبّا من مختلف الأجناس والأنواع والأصناف، فمنه غذاء، ومنه دواء، ومنه ذو منافع أخرى.