فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 106
وبما أنّ أجلّ منافع الحبّ أن يأكل منه النّاس قال اللّه تعالى:
فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) .
وسكت النّصّ هنا عمّا في الحبّ من منافع لدوابّ النّاس وأنعامهم، وما في الحبّ من منافع أخرى كثيرة، اكتفاء بذكر النّفع الأجلّ، ولينطلق ذهن المتدبّر إلى ملاحظة المنافع الأخرى بنفسه، واكتفاء بما جاء التّصريح به في نصوص أخرى، منها قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (عبس/ 80 مصحف/ 24 نزول) :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدائِقَ غُلْبًا (30) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (32) .
واشتقاقا من إحياء الأرض بعد موتها في امتنان اللّه على عباده بعظيم نعمته، جاء في النّصّ التّنبيه على ظاهرة الجنّات في الأرض، وهي البساتين المستورة أرضها بأشجارها، وخصّ اللّه عزّ وجلّ بالذّكر من الأشجار النّخيل والأعناب، فهما صنفان لهما قيمة عظمى لدى الصّفّ الأوّل من المخاطبين بالنّصّ، وهم العرب، مع ما في هذين الصّنفين من ميزات عظيمات كشفت عنها بحوث علماء النّبات، وعلماء الغذاء.
وجاء في النصّ أيضا التنبيه على ظاهرة العيون الّتي يفجّرها اللّه من الأرض لسقيا الجنّات، فتجري فيها أنهارا أو سواقي، ولسقيا النّاس ودوابّهم وأنعامهم، فقال اللّه تعالى:
* وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (34) :
وَجَعَلْنا فِيها: الجعل: إذا كان منسوبا إلى اللّه عزّ وجلّ فهو بمعنى الخلق، ولو كان من التصاريف في مخلوقاته جلّ جلاله، لأنّ كلّ أفعاله ذوات الآثار التكوينيّة خلق، ولو لم يكن خلقا من العدم العامّ.