فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 109
قوله اللّه تعالى:
* سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (36) :
تمهيد:
في هذه الآية يوجّه اللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- أنظار المتفكّرين، لآية عظيمة من آيات ربوبيّته المنبثّة في الكون، إذ نظّم الخلق وفق سنّة الزّوجية، الّتي يتمّ فيها كلّ من الزّوجين صاحبه، لينفرد اللّه عزّ وجلّ بالوحدانيّة.
وهذا النظام يشهد للرّبّ الخالق بأنّه واحد أحد فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ولا صاحبة له ولا ندّ.
ويلاحظ في هذه الآية التنويع في البيان، إذ جاء البيان فيها بأسلوب مشتمل على تغيير النّسق في عرض آيات اللّه في كونه، على السّنّة المتّبعة في القرآن، الّتي تعرض بمقتضاها الأشباه دون أن تلتزم فيها الوتيرة الواحدة، بل يجري فيها التنويع.
لقد بدأ عرض آيات اللّه في كونه أوّلا بأسلوب الاستفهام الإنكاري، في قول اللّه تعالى:
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (31) ؟!
وجاء بعده استخدام أسلوب العرض الخبريّ، فقال اللّه تعالى:
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) .
ثمّ جاء اختيار أسلوب افتتاح العرض بتنزيه اللّه فقال تعالى:
سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (36) .