معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 122
ما المراد بنفي سبق اللّيل للنهار؟
أقول: استعمل السّبق في القرآن المجيد بمعنيين:
المعنى الأول: السّبق الزّماني، أو المكاني.
المعنى الثاني: السّبق المعنوي، كالتفوّق في القوّة والقدرة، وكالتفوّق في العلم، وكزيادة نسبة الأعمال الصالحة، أو الأعمال السيئة، لدى السابق، على ما لدى المسبوق.
وبالنظر إلى واقع اللّيل والنهار نلاحظ أنّ الظلمة بطبيعتها لا تغلب الضوء، ولا تستطيع أن تتفوّق عليه، ولمّا كان اللّيل حدثا يحصل بسبب غياب ضوء النهار، كان اللّيل بطبيعته غير غالب للنهار ولا متفوّق عليه، بل النهار بضيائه هو السّابق المتفوّق على اللّيل كلّما وجدت أسباب وجود النهار، فيتوقّف وجود اللّيل على غياب النّهار دون العكس، إذ لا يتوقّف وجود النهار على غياب اللّيل، بل يحدث النّهار بمجرّد إشراق الشّمس بضوئها، وهذا من آيات اللّه في كونه.
ونلاحظ أيضا أنّ اللّيل لا يسبق زمان حدوث النهار، ولا يسبق مكان حدوثه، إذ كلّما وجد النّهار في أي زمان وفي أيّ مكان انعدم اللّيل، فلا يكون للّيل سبق للنّهار لا في الزمان، ولا في المكان.
وقد أدّى التّعبير القرآنيّ كلّ هذه المعاني بأوجز كلام في قول اللّه تعالى: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وهو من روائع البيان القرآني.
إنّ نظام مقادير اللّه في كوّنه جعل النهار وأسبابه هي الغالبة السّابقة للّيل وأسبابه، كما جعل نور الحقّ هو الغالب لظلمة الباطل، وهذا سبق معنوي.
الآية الكونيّة السادسة: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ في النصّ: