معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 132
فتطابقت دلالات العبارات القرآنيّة مع المفهومات الفكريّة، وقد أخطأ من رأى أنّ ما بين يدي الشيء هو المستقبل، وأنّ ما خلفه هو الماضي.
* أمّا ما سلف في الماضي ممّا يجب أن يتّقى فأمران:
الأمر الأول: العقوبات التي أنزلها اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه، بكفّار القرون السّالفة، واتّقاء هذه العقوبات هو بمعنى اتّقاء نظيراتها الّتي يمكن أن تأتي في المستقبل، لأنّ سنّة اللّه عزّ وجلّ في الأمم واحدة، ولن تجد لسنّة اللّه تبديلا ولن تجد لسنّة اللّه تحويلا.
أي: اتّقوا عقوبات اللّه الّتي هي أمثال ما سبق بين أيديكم، من عقوباته لكفّار القرون السالفة، تطبيقا لسنّته الثابتة.
ويمكن اتقاء هذه العقوبات بالتوبة والاستغفار، والإيمان والعمل الصالح.
الأمر الثاني: ذنوبهم وجرائمهم، وكفريّاتهم وشركيّاتهم السّابقة، واتّقاؤها هو بمعنى اتّقاء العقاب عليها، وهذا يكون أيضا بالتوبة والاستغفار، والإيمان والعمل الصالح.
فالإيمان يجبّ ما قبله، فيغفر اللّه الذّنوب والجرائم، فلا يعاقب عليها، وبهذا يتحقّق اتّقاء العقاب عليها.
والمعنى على الأمرين: اتّقوا عقاب اللّه على ما قدّمتم بين أيديكم من ذنوب وجرائم بالتوبة والاستغفار وبالإيمان الذي يجبّ ما قبله، وبالعمل الصّالح الدّالّ على صدق الإيمان.
* وأمّا اتّقاء ما خلفهم فيكون باتّقاء عقوبات اللّه المستقبلة في الدنيا والآخرة، وهو يكون بأداء ما أوجب اللّه من إيمان وعمل، وباجتناب ما حرّمه اللّه على عباده من اعتقاد وعمل.