فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 146
أنّه لمّا لم تكن مقالتهم هذه مقترنة بحجّة ما، مهما كانت ضعيفة، حتّى تدفع بالحجّة البرهانيّة الدّامغة، إذ مقالتهم قائمة على ادّعاء لزوم اقتران الوعيد بالعقاب الذي تؤيده البراهين، بتحديد زمن وقوعه في المستقبل، لم تكن هذه المقالة مؤهّلة لدفعها بحجّة ما.
إنّ الإدّعاء الذي اشتملت عليه مقالتهم لا دليل عليه من العقل، ولا دليل عليه من واقع الأخبار الوعيديّة، الّتي تصدر عن ذوي السّلطان في الأرض، فذوو السّلطان قد ينذرون العصاة الخارجين على قانونهم بمفاجأتهم بالعقاب متى شاءوا، دون أن يحدّدوا زمنا معيّنا لهذه المفاجأة، ولا يوجد واحد لديه فكر سليم يقول لذوي السّلطان، أو للمبلغين عنهم من المعتمدين لديهم: إن كنتم صادقين في إنذاركم لنا فحدّدوا لنا زمن وقوعه.
إنّ النّاس لا يستطيعون التّطاول على ذوي السّلطان من النّاس، بطرح مثل هذه المقالة عليهم، إذ يخشون أن يسارعوا إلى الانتقام منهم، وأن لا يمهلوهم.
لكنّ الذين كفروا قد أطمعهم بالتطاول على رسل ربّهم، والمبلّغين عنهم أنّ من سنّة اللّه جلّ جلاله أن يمهل عباده، ولا يعاجلهم بالعقاب، ليمنح كلّ واحد منهم في امتحانه في الحياة الدنيا، كلّ الزّمن الذي قضاه لامتحانه، مع الإمهال والتّوسعة له في العمر بحسب الفطرة الّتي فطره عليها، وتختلف أزمان امتحان الممتحنين المكلّفين بحسب اختلاف الفطر النّفسيّة الّتي فطروا عليها.
وإذ ليس في مقالة الّذين كفروا حجّة ما مهما كانت ضعيفة، حتى تدفع، كانت المعالجة القرآنية لهم، مقتصرة على توجيه تهديد لهم باحتمال مفاجأتهم بمهلكة ربّانية غير مرتقبة، تأتيهم وهم يتخاصمون فيما بينهم على