فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 148
ووصف اللّه عزّ وجلّ الصيحة بقوله: (وحدة:) للدّلالة على أنّ إهلاكهم يكفي له صيحة واحدة.
تَأْخُذُهُمْ: أي: تهلكهم وتميتهم، فإهلاكهم قد أطلق اللّه عزّ وجلّ عليه عبارة تَأْخُذُهُمْ لأنّها تأخذهم من الحياة، وتجعلهم صرعى هلكى، لا يستطيعون أن يملكوا من أنفسهم شيئا.
أصل الأخذ في اللّغة: معناه تناول الشيء، والقبض عليه وحيازته، ويحمل الأخذ في الاستعمال معنى ما يؤخذ له الشيء، فأخذ المذنب يحمل معنى معاقبه بذنبه، ولو لم يحصل أخذ جسديّ له، والإهلاك أخذ عقابي للمهلك، وفيه يكون أخذ حياته منه، مع تعذيبه.
وقد يستعمل الأخذ في الأشياء المعنويّة، كأخذ العهد والميثاق.
وَهُمْ يَخِصِّمُونَ: أي: تأخذهم الصّيحة، والحال أنّهم يتبادلون الخصومان فيما بينهم على شؤون دنياهم، فتباغتهم، ويكون بها إهلاك اللّه لهم.
فالمعنى: إنّ كانوا ينتظرون جواب سؤالهم: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ حتى يؤمنوا ويتّبعوا الرّسول، ويعملوا بما جاءهم به من عند ربّهم، وهم في ذلك كاذبون يتعلّلون تعلّلا جدليّا، فإنّهم في الواقع لا ينتظرون إلّا تحقيق الوعد وتنفيذه بمهلكة عاجلة، ثمّ بعذاب يوم الدّين على ما قدّموا في الحياة الدنيا من كفر وعناد، وبعد عن سبيل الرّشاد، وبغي وفساد وإفساد، وظلم للعباد.
فاللّه جلّ جلاله وعزّ سلطانه لن يحدّد لهم زمن تنفيذ وعيده بعذابهم ومعاقبتهم وما أنذرهم به من عقاب عاجل في الحياة الدنيا، إذ قضت حكمته في عباده أن لا يحدّد لهم هذا الزمن.
وحينما يأتي الأمر الرّبّانيّ بإنفاذه يأتيهم بغتة وهم لا يشعرون.