فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 158
قول اللّه تعالى:
* إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (56) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (57) سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) .
عرضت هذه الآيات الأربع لوحة تصويريّة لمشهد من أحوال المتقين أصحاب الجنّة في الجنّة، بعد فصل القضاء بشأنهم، وإدخالهم الجنّة جزاء ما قدّموا من إيمان وعمل صالح، أو إدخالهم الجنّة بغير حساب، إذ كانوا من السّابقين المقرّبين.
وفي هذه الّلوحة التّصويريّة، المتعلّقة بمشهد من مشاهد أهل دار النّعيم يوم الدّين، ثمانية مقاطع:
المقطع الأوّل: [يصوّر أنّ أصحاب الجنّة الملازمين لها، والمنّعمين فيها، هم في شغل فاكهون،]
يصوّر أنّ أصحاب الجنّة الملازمين لها، والمنّعمين فيها، هم في شغل فاكهون، أي: هم في عمل ما من الأعمال الّتي ينالون بها نعيمهم، ويحصلون بها على لذّاتهم الّتي يطلبونها، وتشتهيها نفوسهم.
وهذه الأشغال الّتي ينالون بها أنواع نعيمهم، من مطاعم ومشارب ومناكح وغيرها تشغلهم، وتملأ فراغ أزمانهم عمّا سواها، فلا همّ يقلقهم، ولا حزن يقعدهم عن أعمال نعيمهم.
وهذا يدلّ على أنّ أصحاب الجنّة لا تأتيهم أنواع نعيمهم، وأنواع لذّاتهم وهم ساكنون لا حركة لهم ولا عمل، بل هم ينفقون طاقاتهم الّتي تمدّهم بها الأغذية في أشغال إراديّة محبّبة لهم، وهي جزء من نعيمهم فيها، فالنعيم الذي يحصل عليه ذو الطّاقة بعمله الّذي يشغله عمّا سواه أعظم وأكبر من النّعيم الّذي يأتيه وهو ساكن لا يعمل في تحصيله.