معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 181
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (37) .
وَمَنْ نُعَمِّرْهُ: أي: ومن نطل عمره، يقال لغة: عمّر اللّه فلانا، أي: أطال عمره.
نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أو (ننكسه في الخلق] على القراءتين: أي:
ومن نطل عمره نجعله يتنازل مائلا إلى الأسفل ضعفا وعجزا شيئا فشيئا، حتّى نردّه إلى أرذل العمر، ومن المعمّرين من يكون تنكيسه أشدّ من غيره.
أَفَلا يَعْقِلُونَ: أي: أيستمرّون في فتنتهم بمظاهر الحياة الدّنيا، غارقين في غفلاتهم، كأنّهم خالدون فيها، فلا يعقلون عقلا علميّا بكثرة ما يشاهدون من منكّسين وصلوا إلى عتبات قبورهم، وأحبّ النّاس إليهم ينتظر الخلاص منهم ومن تبعاتهم بالموت. ولا يعقلون عقلا إراديّا بضبط نفوسهم عمّا سوف يجعلهم يوم الدّين من المعذّبين في دار عذاب المجرمين، والعصاة المذنبين.
الفاء في أَفَلا فاء فصيحة عطفت على محذوف، دلّت عليه القرائن والدّلائل الفكرية في هذا الدرس.
وإذا أردنا بسط معنى الآية، مستفيدين مما جاء في دروس السّورة قبلها، لإحكام الرّبط الفكري، فباستطاعتنا أن نقول:
ومن نطل عمره منهم ومن غيرهم، أكثر من نظرائه ومواليد سنة ميلاده، فإنّنا ننكسه أو ننكّسه في الخلق، فنردّه إلى الضّعف والعجز، حتّى لا يجد في حياته ما يطمعه بالبقاء، وربّما تمنّى الموت ليتخلّص ممّا هو فيه من عجز وضعف، وافتقار دائم إلى من يعينه في طعامه وشرابه وقضاء