معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 187
يشير إلى أنّ اتّهامهم له بأنّه شاعر، واتّهام القرآن بأنّه لون من ألوان الشّعر، قد بدأت بوادره سرّا، ووصل بعضها إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال اللّه له: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (76) .
فجاءت المبادرة الرّبّانيّة إلى دفع هذا الاتّهام وهو في مهده، في هذه السّورة، واشتمل البيان على أنّ الرّسول محمّدا بطبيعته لا يقرض الشّعر، ولا يليق به أن يكون شاعرا، وأنّ الذّكر الحكيم في القرآن المبين، لا يليق به أن يكون من قبيل الشّعر، بحسب المعروف من شعر معظم الشعراء، ومذاهبهم في البيان، وطبائع نفوسهم الّتي تجعلهم يخوضون في أوحال مختلف الأودية الهابطة عن مستويات مكارم الأخلاق، ومحاسن الشّيم.
وكان هذا الذي جاء في سورة (يس) أوّل بيان قرآنيّ نزل حول هذا الموضوع.
التدبر:
قول اللّه تعالى:
* وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ:
يتحدّث ربّنا بضمير المتكلّم العظيم، بشأن رسوله الّذي خاطبه في أوائل السّورة بقوله: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وبشأن القرآن الذي قال عنه في أوائلها أيضا: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) وقال عنه أيضا: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) .
أي: وما علّمنا رسولنا محمّدا شعرا أوحينا به إليه، وما جعلنا في طبيعة نفسه استعدادا لقرض الشّعر ذي الموازين الخاصّة به، إذ الاستعدادات الّتي يجعلها اللّه عزّ وجلّ في فطر النّفوس الحيّة، وفي فطر