معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 188
الناس، هي من عناصر التّعليم الرّبّانيّ لهم، لأنّها تقرن بدوافع وإلهامات تجعلهم يؤدّون مقتضياتها من أعمال، وكلّ ذلك بخلق اللّه، بعد قضائه المسبوق بقدره.
ولهذا قال اللّه عزّ وجلّ في سورة (الرّحمن/ 55 مصحف/ 97 نزول) : خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ (4) .
أي: منحه الاستعداد الفطريّ ليبين عمّا في نفسه من المعاني والأحاسيس والأفكار، بالمصطلحات اللّغويّة القولية.
وقال في سورة (العلق/ 96 مصحف/ 1 نزول) :
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5) .
أي: علّم جلّ جلاله باستخدام القلم، كثيرا من المعارف لمن جعل في فطرهم الاستعداد لاكتساب العلوم بوسائلها، ومنها وسيلة القلم، وهو الذي يخلق فيهم العلم بما يعلّمهم إيّاه عن طريق قنوات الوسائل.
ولهذا لم يكن الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم من قارضي الشّعر، لا قبل النبوّة ولا بعدها، وليس ذلك لأنّ القدرة على قرض الشّعر منقصة في الإنسان، بل هي هبة من اللّه جلّ جلاله لبعض عباده.
ولكن لم يمنح اللّه جلّ جلاله رسوله محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم الاستعداد الفطريّ لقرض الشّعر لحكمة تتعلّق برسالته، وهي سدّ ذريعة الّذين لا يؤمنون بدعوته، ولئلا يجدوا رواجا لاتّهامهم له بأنّه شاعر، وبأنّ النّزعة الشّعريّة هي الّتي جعلته يتخيّل تخيّلات النبوّة، والتّفوّق في صناعة البيان الرّفيع، مع ما في نفوس معظم الشعراء من الاستعداد للدّخول هائمين في كلّ واد من أودية الكلام، مهما كان واديا سحيقا هابطا إلى مواطن غير أخلاقيّة، فيها الكذب، والهجاء الفاحش، والثناء بغير حقّ، والاستجداء، والتّغزّل بالعفيفات الشريفات، الذي يشعر برضاهنّ، وبأنّهنّ يشاركن الشاعر الهوى، ولهنّ معه لقاءات غير محمودة.