معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 205
همزة الاستفهام، على أَوَلَمْ يَرَوْا ... التي جاءت في الدّرس الثالث، لبيان ارتباط عرض آيات اللّه في كونه ببعضها في السّورة.
ونلاحظ التّلاؤم في صيغة الاستفهام الإنكاريّ التعجيبيّ، بين المعطوف وبين المعطوف عليه، ولا يؤثّر الفاصل الطويل بينهما، إذ يبلغ ثلاثين آية، لأنّ نظام وحدة موضوع السّورة القرآنيّة نظام شجريّ، وليس نظاما طوليّا كالسّلسلة، ومثل هذا العطف هو من العناصر البيانيّة الّتي تكشف وحدة موضوع السورة، والّتي يحسن بالمتدبّرين لكتاب اللّه أن يمعنوا النّظر لاكتشافها، من خلال الدّلائل الّتي تشير إليها، وقد تكون دلائل دقيقة جدّا، كإضافة حرف عطف، أو تماثل في أسلوب العرض وصيغته، وقد يكون رابطا فكريّا يكشفه حسن التّدبّر، وإمعان النظر في معاني آيات السورة من أوّل آية فيها، حتّى آخر آية من آياتها.
التدبّر:
قول اللّه تعالى:
* أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ (71) :
* أَوَلَمْ يَرَوْا: استفهام إنكاريّ على الكافرين، وتعجيبيّ من حالهم، الأمر الذي يستحقّون معه أن يندبوا بالحسرة عليهم، إذ يدفعون أنفسهم بكفرهم إلى الهلاك المخزي في العاجلة، والخلود في عذاب النار يوم الدين، على الرّغم من وجود الآيات الكثيرات في أنفسهم، وفيما حولهم من الكون، الدّالّات على الرّبّ الخالق جلّ جلاله وعظم سلطانه، والّتي توجب عليهم شكره على وافر نعمه عليهم، الّتي لا يستطيعون إحصاءها، دون أن يكون لهم عذر فيما اختاروا لأنفسهم من كفر، إذ هم معاندون، يتّبعون سلطان الهوى، والتقليد الأعمى، والكبر، ورغبات الفجور.